خصصت صحيفة "الغارديان" البريطانيّة، مقالًا عن القمّة الّتي شهدتها واشنطن بين ​الولايات المتحدة الأميركية​ و​الصين​. وكتبت إيمي هوكينز، وهي كبيرة مراسلي الشّؤون الصينية في الصحيفة، مقالًا ترجمت الإلكترونيّة اللّبنانيّة "النشرة" أبرز ما فيه.

إذا كانت قمّة ​دونالد ترامب​ و​شي جين بينغ​ في بكين في أيّار الماضي قد وُصفت بأنّها "قمّة الجمود"، فإنّ الجولة الثّانية من المحادثات بين الرّئيسَين هذا الأسبوع بدت وكأنّها تخلّت تمامًا عن فكرة تحقيق اختراقات. وبدلًا من ذلك، بدت القمّة احتفالًا بـ"الترفيه الدّبلوماسي" أكثر منها دبلوماسيّة فعليّة. فقد طغت المظاهر على التقدّم، وكان من أبرز نتائجها الإعلان عن إرسال دبَّين من الباندا العملاقة من الصين إلى حديقة حيوان أتلانتا.

استقبل ترامب نظيره الصيني بمراسم حافلة لدى وصوله، وخرق تقليدًا استمر عقودًا حين التقى الزّعيم الصيني في قاعدة أندروز. وبدأت بذلك زيارة دولة استمرّت ثلاثة أيّام، شملت جولةً في مهبط الطائرات المروحيّة الجديد لترامب وعلى متن المروحيّة الرّئاسيّة "مارين وان"، فضلًا عن اجتماع استمر 90 دقيقةً وصفه ترامب بأنّه "رائع"، وقال إنّ الاجتماع أظهر أنّ شي "مهتم جدًّا بالغرانيت".

وقال جوليان غيرتس، الّذي شغل منصبًا رفيعًا في ملف الصين خلال إدارة الرّئيس الأميركي السّابق ​جو بايدن​: "أبرز ما يمكن استخلاصه هو أنّ ترامب أبدى درجةً استثنائيّةً من المجاملة تجاه شي جين بينغ".

لكن ماذا عن المضمون الفعلي؟ كانت التوقّعات منخفضة قبل القمّة، إلّا أنّ النّتائج جاءت، على نحو ما، دونها.

تُعدّ التجارة من أبرز قضايا العلاقات الأميركيّة- الصينيّة. ففي العام الماضي، ومع فرض ترامب سلسلةً من ​الرسوم الجمركية​ على السّلع الصينيّة، اتهم ​البيت الأبيض​ بكين بممارسات غير عادلة، قال إنّها ساهمت في خسارة 3.7 ملايين وظيفة أميركيّة وزادت العجز التجاري.

وكان الهدف من الرّسوم الحدّ من الواردات الصينيّة والضغط على الصين. وإلى حدّ ما، نجحت الرّسوم. فقد انخفض العجز التجاري الأميركي مع الصين في 2025 إلى 200 مليار دولار، بعدما كان يقترب من 300 مليار دولار في 2024.

لكن خبراء أشاروا إلى أنّ جزءًا من هذا الانخفاض يعوّض عن طريق شحن السّلع الصينيّة إلى الولايات المتحدة عبر دول ثالثة، وهو اتجاه تؤكّده حقيقة أنّ الفائض التجاري الصيني تجاوز مستوى قياسيًّا بلغ تريليون دولار العام الماضي. وبما أنّ الولايات المتحدة والصين تمثّلان معًا 43% من النّاتج المحلّي الإجمالي العالمي، فإنّ حربهما التجاريّة تحمل تداعيات واسعة على الاقتصاد العالمي.

لذلك شكّل اتفاق البلدين على هدنة موقّتة في بوسان العام الماضي، ارتياحًا لبكين وللمستهلكين الأميركيّين على حدّ سواء. وكان من المقرّر أن تنتهي الهدنة في تشرين الثّاني. وبحسب تقارير، كانت الصين، الّتي يعتمد اقتصادها بدرجة كبيرة على الصادرات، تضغط لتمديدها حتى نهاية ولاية ترامب. لكن زيارة شي، وهي الأولى له إلى الولايات المتحدة منذ أكثر من عقد، أسفرت عن تمديد الهدنة شهرين فقط.

وقال نيل توماس، الباحث البارز في "آسيا سوسايتي"، إنّ ذلك يعكس "غياب التحضير لهذه القمّة بما يتجاوز المظاهر والمراسم"، فيما قال ويليام يانغ، كبير المحلّلين في "مجموعة الأزمات الدّوليّة": "حقّقت هذه القمّة، إلى حدّ كبير، الرمزيّة والمراسم على حساب المضمون. وهذا واضح جدًّا". وأضاف أنّ التمديد القصير "يعكس مستوى الخلافات الجوهريّة الّتي لا تزال قائمةً بين البلدين حول مجموعة متنوّعة من القضايا".

كان أقوى رد صيني على رسوم ترامب قرار بكين منع تصدير المعادن النادرة، وهي معادن أساسية للتصنيع الأميركي ولسلاسل الإمداد العسكرية. وبدا أن هذه الخطوة أضعفت قدرة ترامب على استخدام الضغوط كورقة تفاوضية مع الصين.وقال غيرتس إن "رد بكين الانتقامي... يبدو أنه كان له تأثير عميق في ترامب وإدارته، وفي استعدادهم لتحمل المخاطر في التعامل مع الصين".

وباستثناء الاتفاق التجاري، لم تحقق القمة تقدماً ملموساً في القضايا الشائكة الأخرى في العلاقات الأميركية-الصينية، بما فيها الذكاء الاصطناعي و​تايوان​ والحربان في إيران وأوكرانيا وحقوق الإنسان.

في ما يتعلق بتايوان، التي تعتبرها بكين القضية الأهم في العلاقة مع واشنطن، ضغط شي على ترامب لإضعاف الدعم الأميركي للجزيرة التي تتمتع بحكم ذاتي وتعتبرها الصين جزءاً من أراضيها. وسيكون استخدام واشنطن لعبارة "معارضة استقلال تايوان" تحولاً في الصياغة عن موقفها الحالي المتمثل في أنها "لا تدعم" استقلال الجزيرة، وهو تحول سترحب به بكين.

بالنسبة إلى الصين، فإن غياب الأخبار الكبرى عن زيارة الدولة يمثل مكسباً بحد ذاته. وقال توماس: "سارت القمة بشكل ممتاز من المنظور الصيني". وأضاف أن شي "حصل على قدر هائل من الاحترام من الرئيس الأميركي، وحظي بكل مراسم زيارة الدولة، ووصلت إلى الصين صور رائعة للرئيسين الصيني والأميركي وهما يتعاملان كندّين على المسرح العالمي، من دون أن تضطر الصين إلى تقديم أي تنازلات أو حلول وسط ذات معنى".